حقوق ضُيِّعتعام

حق العلماء

حق العلماء

 

من أعظم ما ابتليت به الأمة في عصرنا الحالي قلة احترامها لعلمائها وعدم توقيرها لهم ، فتجد الكثير من الناس يتعاملون مع العلماء بلا أدب في الحديث ، ولا انتقاء للكلمات ، فتجده يعظم أهل الدنيا ويرفع من مكانتهم ، وإذا ما جلس أحدهم بين يدي مسئول دنيوي ذي رتبة جلس كأن على رأسه الطير من شدة الاحترام والتقدير ، أما بين يدي العلماء والمشايخ والدعاة فلا أثر لهذا الأدب ولا ذلك الاحترام ، فالمشايخ من وجهة نظره أهل أكل وشرب .

لا يرتقون عنده لأكثر من هذا الوصف . مع أن الإسلام أعلى رتبتهم ورفع مكانتهم فقُرِن اسمهم باسمه تعالى فقال  جل  جلاله : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾    سورة آل عمران : الآية 18.
وقال جل جلاله : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾   سورة الزمر : الآية 9.

قال الطبري – رحمه الله – في تفسيره وقوله : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾   يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لقومك : هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب ، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات ، والذين لا يعلمون ذلك ، فهم يتخبطون في عشواء ، لا يرجون بحسن أعمالهم خيرًا ، ولا يخافون بسيِّئها شرًا ؟ يقول : ما هذان بمتساويين .

واستمع للآجري – رحمه الله – في كتابه أخلاق العلماء وهو يقول في حق العلماء كلامًا عجيبًا : فإن الله تعالى تقدست أسماؤه ، اختص من خلقه من أحب ، فهداهم للإيمان ، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب ، فتفضل عليهم ، فعلمهم الكتاب والحكمة وفقههم في الدين ، وعلمهم التأويل وفضلهم على سائر المؤمنين ، وذلك في كل زمان وأوان ، رفعهم بالعلم وزينهم بالحلم ، بهم يُعرف الحلال من الحرام ، والحق من الباطل ، والضار من النافع ، والحسن من القبيح .

فضلهم عظيم ، ورثة الأنبياء ، وقرة عين الأولياء ، الحيتان في البحار لهم تستغفر ، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع ، والعلماء في القيامة بعد الأنبياء تشفع ، مجالسهم تفيد الحكمة ، وبأعمالهم ينزجر أهل الغفلة ، هم أفضل من العُبَّاد ، وأعلى درجة من الزهَّاد ، حياتهم غنيمة ، وموتهم مصيبة ، يُذَّكرون الغافل ، ويُعلّمون الجاهل ، لا يُتوقع لهم بائقة ، ولا يُخاف منهم غائلة ، بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون ، وبجميل موعظتهم يرجع المقصرون ، جميع الخلق إلى علمهم محتاج ، والصحيح على من خالف بقولهم محجاج .

الطاعة لهم من جميع الخلق واجبة ، والمعصية لهم محرمة ، من أطاعهم رشد ، ومن عصاهم عند ، ما ورد على إمام المسلمين من أمر اشتبه عليه ، حتى وقف فيه فبقول العلماء يعمل ، وعن رأيهم يصدر ، وما ورد على أمراء المسلمين من حكم لا علم لهم به فبقولهم يعملون ، وعن رأيهم يصدرون ، وما أشكل على قضاة المسلمين من حكم ، فبقول العلماء يحكمون ، وعليه يعولون ، فهم سراج العباد ، ومنار البلاد ، وقوام الأمة ، وينابيع الحكمة ، هم غيظ الشيطان ، بهم تحيا قلوب أهل الحق ، وتموت قلوب أهل الزيغ ، مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء ، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، إذا انطمست النجوم تحيروا ، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا ” وانظر إلى هذه المكانة التي حظي بها العلماء يخبرنا بها أبو الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول : ( وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)    رواه أبو داود وصححه الألباني . أما علم هؤلاء أن الخيريَّة تكمن في هؤلاء العلماء شهادة أعطاهم إياها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله : ( مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُّ فِي الدِّينِ ) رواه البخاري .

فلو أن أحدنا أنقذه شخص ما من حريق كاد أن يلتهم جسده لأكنَّ له الاحترام والتقدير طوال حياته ، وما نسي له هذا المعروف طيلة عمره وهذا فعل العقلاء لمن قدّم لهم معروفًا .

يا ترى كيف يكافئ العقلاء من كان سببًا في إنقاذهم من نار جهنم ، وما نار الدنيا إلا جزءًا يسيرًا بالنسبة لها ، يصفها لنا مولانا جل جلاله فيقول في حقها : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾   سورة التحريم : الآية 6

فحري بنا أن نعرف للعلماء قدرهم ، وأن ننزلهم مكانتهم التي ارتضاها الله لهم ؛ لنفوز بتكريمهم برضى الله جل جلاله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- عنا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق