الميراث والوصيةعام

الوصية الواجبة

الوصية الواجبة

 

تعريف الوصية:-

لغةً : العهد. أَوْصى الرجلَ ووَصَّاه عَهِدَ إِليه  ([1]).

اصطلاحاً : تمليك مضاف إلى ما بعد الموت ([2]).

وبذلك يمكن تعريف الوصية الواجبة بأنها: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بحكم القانون لأشخاص معينين ، وتستمد قوتها منه . بحيث إذا أوصى بها الشخص مختاراً نفذت ، وإن لم يوص بها وجبت بحكم القانون.

الحكم الشرعي للوصية :

المذهب الأول:– ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والشعبي والنخعي والثوري إلى أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة ، وأمانه بغير إشهاد ([3]).

المذهب الثاني:-ذهب الظاهرية إلى أن الوصية واجبة  ([4]) .

أدلة المذهب الأول:-

  1. قوله تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾   ([5]) .

استدلوا بالآية من وجهين:

الوجه الأول :– المعروف هو التطوع بالإحسان قالوا والواجب يستوي فيه المتقون وغيرهم من أهل الدين.

يقول ابن عبد البر” واجمع الجمهور على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا أن يكون عليه دين أو يكون عنده وديعة أو أمانة فيوصي بذلك”  ([6]).

الوجه الثاني:– يقول ابن عبد البر” أجمعوا أن الخير في قوله جل جلاله : ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ﴾ هو المال كما في قوله تعالى:﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ ([7]) .

و قوله جل جلاله : ﴿ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴾  ([8]).

وكذلك قوله جل جلاله : ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد﴾  ([9]).

وقد جاء في مواضع من القرآن ذكر الخير بمعنى المال والغنى”   ([10]).

  1. قياس الوصية على الهبة : يقول صاحب اللباب “الوصية غير واجبة؛ لأنها تبرع بمنزلة الهبة، والتبرعات ليست واجبة ”  ([11])

أدلة المذهب الثاني:

  1. قوله جل جلاله  : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾   ([12]) .

وجه الدلالة: قول اللّه تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ وكتب فرض ، فدل على وجوب الوصية.

يقول ابن حزم في محلاه : ” فهذا فرض كما تسمع ، فخرج منه الوالدان ، والأقربون الوارثون ، وبقي من لا يرث منهم على هذا الفرض . وإذ هو حق لهم واجب فقد وجب لهم من ماله جزء مفروض إخراجه لمن وجب له إن ظلم هو، ولم يأمر بإخراجه ، وإذا أوصى لمن أمر به فلم ينه ، عن الوصية لغيرهم ، فقد أدى ما أمر به وله أن يوصي بعد ذلك بما أحب ”  ([13]) .

اعترض عليه من وجهين:

الوجه الأول: أن الآية منسوخة قال ابن عباس وابن عمر نسخها قول سبحانه : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾  ([14]) .

وذهب جماعة ممن يرى نسخ القرآن بالسنة إلى أنها نسخت بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث )    ([15]).

الوجه الثاني: أن أكثر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-لم يوصوا ولم ينقل لذلك نكير ؛ ولو كانت واجبة لم يخلوا بذلك ولنقل عنهم نقلا ظاهراً ؛ ولأنها عطية لا تجب في الحياة فلم تجب بعد الموت   ([16]) .

  1. حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قال : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده )   ([17]) .

وفي رواية لمسلم عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال 🙁 ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة ). قال عبد الله بن عمر : ” ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال ذلك إلا وعندي وصيتي ” ([18]) .

اعترض عليه:

لو كانت الوصية واجبة لم تجعل إلى إرادة الموصي، ولكان ذلك لازماً على كل حال ، ثم لو سلم أن ظاهره الوجوب فهو فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم ، وكذلك إن كانت له حقوق عند الناس يخاف تلفها على الورثة ، فهذا يجب عليه الوصية ولا يختلف فيه “. ([19])

موقف قانون الأحوال الشخصية من الوصية:

لقد وافق قانون الأحوال الشخصية ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول فلقد نصت المادة : (530) من قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني ” الوصية تمليك مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع ”  ([20]) .

والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم إلى أن الوصية غير واجبة وذلك لقوة دليلهم.


[1]– ابن منظور/لسان العرب (15 / 394).

[2] -الجرجاني/التعريفات (1 / 326).

[3] -انظر؛ ابن نجيم/البحر الرائق/كتاب الوصايا (8/460)، الغنيمي/اللباب في شرح الكتاب/كتاب الوصايا (1/414)،
ابن عبد البر/الاستذكار /كتاب الوصية/باب الأمر بالوصية(7 / 260)، النووي/المجموع شرح المهذب/كتاب الوصايا (15 / 401)،
ابن قدامة/ الشرح الكبير/كتاب الوصايا(6 / 415).

[4] – ابن حزم/المحلى/كتاب الوصايا/ وفرض على كل مسلم أن يوصى لقرابته الذين لا يرثون(9 / 314).

[5] – سورة البقرة/الآية180

[6] – ابن عبد البر/الاستذكار /كتاب الوصية/باب الأمر بالوصية(7 / 260)، وانظر؛المصادر السابقة.

[7] – سورة هود: من الآية84 .

[8] – سورة صّ/الآية 32 .

[9] – سورة العاديات/الآية 8.

[10] – انظر؛ابن عبد البر/الاستذكار /كتاب الوصية/باب الأمر بالوصية(7 / 260) بتصرف، القرطبي/الجامع لأحكام القرآن(2 / 260).

[11] – الغنيمي/اللباب في شرح الكتاب /كتاب الوصايا (1 / 414).

[12] – سورة البقرة/الآيتين 180-181 .

[13] – ابن حزم/المحلى/كتاب الوصايا/ وفرض على كل مسلم أن يوصى لقرابته الذين لا يرثون(9 / 314).

[14] -سورة النساء/الآية 7

[15] – أخرجه ابن ماجة في سننه من حديث أنس بن مالك /كتاب الوصايا/باب لا وصية لوارث(4/278) ح 2714 وصححه الشيخ الألباني في سنن ابن ماجه .

[16] – ابن قدامة/ الشرح الكبير/كتاب الوصايا(6 / 415).

[17] -أخرجه البخاري في صحيحه/كتاب الوصايا/باب الوصايا(4 / 2) ح 2738.

[18] – أخرجه مسلم في صحيحه/ الوصية (5 / 70) ح 4294.

[19] – القرطبي/الجامع لأحكام القرآن(2 / 260) بتصرف.

[20] – سيسالم وآخرون/مجموعة القوانين الفلسطينية/ الأحوال الشخصية(10/84 ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق