حقي أن أكون مهاجرًاعام

هجر الحسد ([1])

تحدثنا عن الحسد، وعن تصرفات كثير من الناس الجشعة التي لم تستقر القناعة في قلوبهم ولم تنعكس على تصرفاتهم الحياتية.

ولكن ولأن العين حق، والحسد موجود كما في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (الْعَيْنُ حَقٌّ)([2]).

واستمع لحديث جَابِرٍرضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ)([3]).

فإن من الممكن أن يُصاب به أي مسلم فقد أمرنا القرآن الكريم أن نستعيذ بالله من شر هذا الصنف من الناس فقال جل جلاله :﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إذا حَسَدَ([4]).

كما كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يرقيه جبريل عليه السلام من هذا الصنف من الناس إذا أصابه شيء لما روته عَائِشَة ك زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  أَنَّهَا قَالَتْ: (كَانَ إذا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَقَاهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ)([5]).

عنْ أَبِي سَعِيدٍ  أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:(يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ)([6]).

ولما أصيب الحبيب صلى الله عليه وسلم بالحُمى رقاه جبريل عليه السلام  كما في الحديث عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، يَقُولُ🙁 أَتَى جِبْرَائِيلُ عليه السلام  النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُوعَكُ، فَقَالَ:  بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ حَسَدِ حَاسِدٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ)([7]).

ومن العلاج أيضًا أن يُطلب من الحاسد أن يغتسل- أو يتوضأ- ويوضع الماء المُغْتسل به في إناء ويُصب على المحسود كما في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده  عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ، وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ، حَتَّى إذا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَالْجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ فَلُبِطَ بِسَهْلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ r فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ؟ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَمَا يُفِيقُ، قَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ r عَامِرًا، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إذا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟ ثُمَّ قَالَ لَهُ: اغْتَسِلْ لَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ)([8]).

فبعض المحسودين يبلغ به المرض جراء الحسد مبلغًا كبيرًا، لكنه يتحرج من كلام الناس، وخوفًا من أن يغضب منه الحاسد فلا يلتزم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في طلب الماء منه ليغتسل به المحسود.

فمتى يعي الناس شر هذا الداء الخطير الذي ألمَّ بالناس نظرًا لعدم قناعتهم بما آتاهم الله من فضله؟.

ومن أكثر الناس تعرضًا للحسد الأطفال الصغار نظرًا لبراءتهم، وحُسن مظهرهم، وجميل ألفاظهم عند الكلام، لذلك كان لابد لكل واحد منّا أن يُحصن أبناءه ومن هم تحت ولايته كما كان يفعل الحبيب صلى الله عليه وسلم مع سيدي شباب أهل الجنة رضي الله عنهما وعن والديهما وصلى الله على جدهما كما أخرج البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ  قَالَ: ( كَانَ النَّبِيُّ r يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ )([9]).

 ولا تظن أن الحاسد لو رُزق مثلك ستهدأ نفسه، ويطمئن باله، واستمع لكلام الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان  وهو يقول: (كُلُّ النَّاسِ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُرْضِيَهُ؛ إِلَّا حَاسِدَ نِعْمَةٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيهِ إِلَّا زَوَالُهَا)([10]).

ولقد أخبرنا القرآن الكريم عن طريقة من طرق العلاج أخرى، وهو عدم الحديث بالنعم أمام الحاسدين والجشعين وأصحاب النفوس المريضة، الذين ربما حسدوا الإنسان ليس فقط على وظيفته، ومركزه الاجتماعي، وأولاده، وعائلته؛ بل يحسدون الإنسان على مجرد حلم يحلم به في الليل فقد قال الله عز وجل في سورة يوسف حكاية عن حوار يوسف ويعقوب ;: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ([11]).

لذلك قال الأصمعي /: ” وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْلَمَ مِنَ الْحَاسِدِ؛ فَعَمِّ عَلَيْهِ أُمُورَكَ”([12]).

ومن طرق التحصين الشرعية أيضًا أن يُكثر الإنسان من وقول (ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) كما قال مولانا عز وجل :] وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا [ ([13]).

عافانا الله وإياكم من مثل هذه القلوب السوداء، التي لا يعرف الرضى والقناعة إليها سبيل.

[1] – نُشر هذا المقال بتاريخ 23/01/2014م.

[2] – صحيح . أخرجه مسلم في صحيحه (4/1719) ح (2187).

[3] -حسن. أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (2/140) ح (1057)
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 3/323) ح ( 1249)

[4] – سورة الفلق: الآية 5.

[5] – صحيح . أخرجه مسلم في صحيحه (4/1718) ح (2185).

[6] – صحيح . أخرجه مسلم في صحيحه (4/1718) ح (2186).

[7] – حسن . أخرجه ابن ماجه في سننه (2/1165) ح (3527). وحسنه الألباني.

[8] – صحيح. أخرجه  أحمد من مسنده (8/130) ح (8014).وصححه شعيب الأرنؤوط.

[9] – صحيح .أخرجه البخاري في صحيحه (4/147) ح (3371) .

[10] – الدينوري/المجالسة وجواهر العلم (3/50)

[11] – الآيتين: 4-5.

[12] – الدينوري / المجالسة وجواهر العلم (3/50)

[13] – سورة الكهف:الآية39.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق