المقالاتحقي أن أكون مهاجرًاعام

هَجْرُ هَتْكِ الأَعْرَاض

هَجْرُ هَتْكِ الأَعْرَاض ([1])

 

بينما يسير الواحد منا في الطرقات، يستمع إلى ألفظ عجيبة وغريبة، ألفاظ يهتز لها عرش الجبار جل جلاله، ألفاظ تهتك أعراض المسلمين، تدمر أسرهم، تورث البغض والضغينة في قلوبهم ألفاظ جعل الله لقائلها عقوبة متعددة فقال U: ﴿وَالَّذِين َيَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ِثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُم ْثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ([2]). فقد جمع الله على قاذف الناس بما ليس فيهم من الزنى والخنا ثلاث عقوبات مادية ومعنوية.

الأولى: الجلد ثمانين جلدة.

الثانية: عدم قبول شهادته مطلقًا عند بعض العلماء، وقبولها بعد التوبة النصوح عند البعض الآخر.

الثالثة: يُحكم عليه بالفسق وهو الخروج عن طاعة الله والتلبس بالمعصية.

ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التلفظ بهذه الألفاظ التي فيها افتراء على الأطهار الذين لم يرتكبوا جريمة الزنى أو يمارسونها أنها كبيرة من الكبائر، وجريمة من الجرائم كما في الحديث عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقاتِ([3]). قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ وَما هُنَّ؟. قَالَ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ([4])، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ([5])، وَقَذْفُ ([6]) الْمُحْصَنَاتِ ([7]) الْمُؤْمِناتِ الْغافِلاتِ )([8]).

وهذا شامل للرجال كما هو للنساء يقول صاحب كتاب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح في شرح الحديث السابق: “وإذا كان المقذوف رجلًا يكون القذف أيضًا من الكبائر، ويجب الحد أيضًا، فتخصيصهن لمراعاة الآية والعادة.

و(الغافلات) أي: عن الاهتمام بالفاحشة كناية عن البريئات، فإن البريء غافل عما بهت به”([9]).

وها هو صاحب كتاب عمدة القاري شرح صحيح البخاري يؤكد هذا المعنى فيقول : “ذكر العفائف الْحَرَائِر المسلمات، وناب فِيهَا ذكر رمي النِّسَاء عَن ذكر رمي الرِّجَال إِذْ حكم المحصنين فِي الْقَذْف كَحكم الْمُحْصنَات قِيَاسًا واستدلالاً، وَأَن من قذف حرًا عفيفاً مُؤمنًا عَلَيْهِ الْحَد ثَمَانُون كمن قذف حرَّة مُؤمنَة “([10]).

ورُب قائل يقول ما هي هذه الألفاظ التي تتحدثون عنها: فأجيبه بأن الألفاظ متعددة كثيرة منها ما هو بالتصريح ومنها ما هو بالتلميح، وفي كلا الحالتين صاحبها موزور غير مأجور.

تستمع لبعضهم يقول لآخر: (فلان ابن حرام)، و(فلان ابن الشـ…)، و)فلانة بنت المنـ…).

ويستعمل البعض الآخر كلمات (الله يتسر على الولايا) في معرض جوابه عن أخلاق إحدى الفتيات، ويستعمل آخر كلمة (بصراحة ما بيلزموك في كلام كثير عليهم) ويختم بقوله: (أنا ما بحط في ذمتي هيك بيقولوا).

فتجد الكثيرين ممن باعوا دينهم بثمن بخس، وتاجروا بضمائرهم لا يتورعون بالحديث عن الرجال أو النساء واتهامهم في أعراضهم وشرفهم بهدف الانتقام، أو التشويه والتشفي، أو بقصد إذلالهم وظيفيًا أو اجتماعيًا.

والمصيبة الكبرى لا تكمن في هؤلاء وحدهم، بل في بعض المسئولين –التفه والسفه – الذين يتركون لهم المجال للحديث عن هؤلاء الأطهار بحجة (الأمن المؤسساتي) أو (المصلحة العامة) وقد نهاهم مولانا عن الاستماع لهؤلاء وأن يلهثوا خلف كل كلمة شاردة وواردة فقال جل جلاله: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُم ْيَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾([11]).

وقد رفض الإسلام أن يتم الاعتداء على عرض العبد المملوك من مالكه بمثل هذه الألفاظ فضلًا عن الحر والحرة للحديث الذي أخرجه البخاري عَن ْأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِصلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِد َيَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَن ْيَكُونَ كَمَا قَالَ)([12]).

وقد أغلظ الله جل جلاله العقوبة على مرتكبي هذه الكبيرة لما فيها من إفساد للمجتمع، وتقويض لبنيانه بنشر الفاحشة والرذيلة ووصف أبناء المجتمع بها فقال جل جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِين َيَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ* يَوْم َتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ([13]).

فإن قيل ما الحل؟

قلت الحل: ما رواه عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رضي الله عنه قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ r مَا النَّجَاةُ؟
قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ
)([14]).

وإن قيل ما الخلاص من الجرائم التي ارتُكبت؟

فالإجابة عند الحبيب صلى الله عليه وسلم كما في الحديث عَن ْأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِصلى الله عليه وسلم  قَالَ: (مَنْ كَانتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا مِنْقَبْل ِأَن ْيُؤْخَذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فإن لَم ْتَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن ْسَيِّئَاتِ صَاحِبِه ِفَطُرِحَتْ عَلَيْهِ)([15]).

[1] – نُشر هذا المقال بتاريخ 08/12/2013م

[2] – سورة النور: الآية 4

[3]الموبقات: المهلكات.

[4]السحر: ما يفعله المشعوذون من تخييلات وتمويه تأخذ أبصار المشاهدين وتوهمهم الإتيان بحقيقة أو تغييرها.

[5]التولي يوم الزحف:  الفرار عن القتال يوم ملاقاة الكفار والزحف في الأصل الجماعة الذين يزحفون إلى العدو أي يمشون إليهم بمشقة مأخوذ من زحف الصبي إذا مشى على مقعدته.

[6]قذف: هو الاتهام والرمي بالزنا.

[7]المحصنات: جمع محصنة وهي/العفيفة التي حفظت فرجها وصانها الله من الزنا.

[8]صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (4/10) ح(2766).

[9] – القاري/مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/124).

[10] – العيني/عمدة القاري شرح صحيح البخاري (24/28).

[11] – سورة التوبة: الآية 47.

[12]صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (8/175) ح(6858) .

[13] – سورة النور: الآيات 23–25.

[14]صحيح. أخرجه الترمذي في سننه (4/605) ح (2406)، وصححه الألباني.

[15]صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (8/111) ح(6534).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق