المقالاتحقي أن أكون مهاجرًاعام

هَجْرُ مَجَالِسِ الغِيبَة ([1])

هَجْرُ مَجَالِسِ الغِيبَة ([1])

كثير منا يقرأ هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ([2]).

ومن الظلم الذي يوقعه الإنسان على نفسه أن يجلس في مجالس الغيبة، هذه الصفة البذيئة  والتي أضحت من أكثر الصفات انتشارًا بين قليلي الحظ من الإيمان، فهي فاكهة مجالسهم، ومحور حديثهم، يبتدؤون بها المجلس وبها يختمون، مع أن الله تبارك وتعالى قد نفّرهم من هذه الصفة وشنع على فاعلها فقال:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ([3]).

يقول صاحب التفسير الوسيط: “ثم نهى ـ بعد ذلك عن الغيبة فقال:  ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ والغِيبة -بكسر الغين- أن تذكر غيرك في غيابه بما يسوءه. يقال: اغتاب فلان فلانًا، إذا ذكره بسوء في غيبته، سواء أكان هذا الذكر بصريح اللفظ أم بالكناية، أم بالإِشارة، أم بغير ذلك”([4]).

ولقد ساق جل جلاله تشبيهًا ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. والاستفهام للتقرير لأنه من الأمور المسلمة أن كل إنسان يكره أكل لحم أخيه حيًا، فضلًا عن أكله ميتًا.

ويؤيد هذا  المعنى الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا الْغِيبَةُ قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ، قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ )([5]).

ونسوق لكم ما ذكره النووي / كما أورده صاحب كتاب عون المعبود: قال النووي /: “اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشارًا في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس وذكرك أخاك بما يكره عام سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو ولده أو والده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو مشيه وحركته وبشاشته وعبوسته وطلاقته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك أو كتابك أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك ونحو ذلك وضابطه أن كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعرجًا أو مطأطًأ أو على غير ذلك من الهيئات مريدًا حكاية هيئة من ينقصه بذلك “([6]).

ولعظم هذا الجرم الذي يؤدي إلى تفتت المجتمع صنف العلماء هذا الذنب من الكبائر مستدلين بالحديث عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ فقال: (…. فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي  كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)([7]).

ولقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حال المغتابين في ليلة الإسراء والمعراج يروي لنا ذلك أَنَس بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ)([8]).

فكم من مجلس من مجالسنا يخلو من الغيبة ونهش لحوم البشر –إلا من /-؟.

 في كل يوم تسمع من الأصدقاء قبل الأعداء الوقوع في أصدقائهم والحديث عنهم بما يكرهون وهم لا يذكرون ذلك من باب النصيحة أو من باب دفع الظلم والشكاية لإصلاح الحال فهذا جائز، بل هم يذكرونه من باب التقليل من شأن المذكور، فتجد الكثيرين إذا ما سألتهم عن مسلم خفضوا فيه ورفعوا ومزقوا عرضه تمزيقًا ويقول في نهاية نهشه للحم أخيه (هذا والله أعلم أنا مبحطش في ذمتي).

فاللهً أسأل لي ولكم العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

[1] – نُشر هذا المقال بتاريخ 19/12/2013م.

[2] – سورة الأنعام: الآية 68

[3] – سورة الحجرات: الآية 12.

[4]– الطنطاوي/التفسير الوسيط (13/316).

[5] – صحيح . أخرجه مسلم في صحيحه (4/2001) ح (2589)

[6]

[7]صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (2/196) ح(1741).

[8]صحيح. أخرجه أبو داود في سننه (4/420) ح(4880)، وصححه الألباني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق