المقالاتحقي أن أكون مهاجرًاعام

هَجْرُ شَهَادَةِ الزُّور ([1])

هَجْرُ شَهَادَةِ الزُّور ([1])

يستقدم كثير من الناس معهم آخرين للشهادة لهم في بعض المعاملات أو القضايا، سواء كان الأمر متعلقًا بحق كبير أو صغير، وهذا لا حرج فيه لأن إثبات الحق يحتاج إلى أدلة، ومن الأدلة الشرعية التي أمر الشرع الحنيف الأخذ بها شهادة الشهود حيث قال الله عز وجل: ﴿…وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُم ْفَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ ([2]).

لكن المشكلة والجريمة التي يجب على المسلم أن يهجرها هي الشهادة بغير علم ولا دراية، ألا وهي (شهادة الزور)، حيث لوحظ في الآونة الأخيرة أن بعض المواطنين عندما يُطلب منهم شهودًا على صحة أقوالهم يأخذون في البحث عن شاهد في أروقة المحكمة ليشهد معهم على صحة دعواهم أو طلبهم .

ويحضر البعض للشهادة ظنًّا منه أنه يُقدم على فعل الخير، فيشهد لهذا بانحصار ورثته في فلان وفلان وهو لا يعرفهم إلا من خلال ما ذكره صاحب الدعوى أو الطلب .

ويحضر البعض خدمة إنسانية ليشهد مع امرأة حائرة تبحث عمن يشهد لها بأن ابنها في حضانتها وتكون قد أحضرت ابنها الصغير معها، وتقول للشاهد: ها هو ابني معي، وتكون قد أحضرته معها لأنه في ضيافتها بشكل مؤقت، فيشهد الشاهد.

والبعض يشهد في بعض  المعاملات من أجل توفير الرسوم الجامعية ، أو مبالغ مالية مستحقة على صاحب الطلب ليخفف من معاناته في ظل الأزمة والحصار .

وبعض الشهود يلتبس عليه الأمر فيظن أن من أحضره للشهادة لو حلف له يمين بأن هذا هو الصواب فإنه يكفيه ليشهد، وربما بعض لا يتورع أن يحلف يمينًا كاذبة من أجل مصلحة دنيوية .

وكل ما سبق –مهما كانت النية صالحة– فإننا كمسلمين لا تبرر الغاية عندنا الوسيلة إذا كانت الوسيلة محرمة مهما كانت الغاية شريفة .

نحن كمسلمين لا نشهد إلا بما نعلم لأن الله جل جلاله قال: ﴿…وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا([3]).

نحن كمسلمين النية الصالحة عندنا لا تُصلح العمل الفاسد .

فما بالنا بالذي نيته فاسدة أصلًا فلقد شهد زورًا وهو يعلم ذلك ، لكنه شهد مقابل حفنة من المال.

نحن كمسلمين نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذَّر تحذيرًا شديدًا من هذا الفعل الخبيث لما في الحديث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:) أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِوَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ- أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ)([4]) .

يقول صاحب كتاب تيسير العلام شرح أحاديث الأحكام: ” خطر شهادة الزور وقول الزور وتحريمه، فقد اهتم بهما النبي r باعتدال هيئته، وتكرير التحذير منهما، لما فيهما من المفاسد العظيمة، من قطع حق صاحب الحق، وإدخال الظلم على المشهود له، والكذب، والبهتان، وتضليل القضاة، فيحكموا بما هو خلاف الحق في الباطن، إلى غير ذلك من المفاسد العظمى”([5]).

ولأستمع وإياك أخي المهاجر لهذه الجريمة  لكلمات عظيمة من  العلامة ابن عثيمين / في شرح كتاب رياض الصالحين في هذا المقام حيث قال: “وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس أي: معتمداً على يده، فجلس واستقام في جلسته وقال: (أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وشهادة الزور) .

هذا أيضاً من أكبر الكبائر، وإنما جلس صلى الله عليه وسلم عند هذا؛ لأن هذا ضرره عظيم، وعاقبته وخيمة.

وقول الزور يعني: الكذب، وشهادة الزور أي: الذي يشهد بالكذب والعياذ بالله، وما أرخص شهادة الزور اليوم عند كثير من الناس، يظن الشاهد أنه أحسن إلى من شهد له، ولكنه أساء إلى نفسه، وأساء إلى من شهد له، وأساء إلى من شهد عليه.

أما إساءته إلى نفسه فلأنه أتى كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله؛ بل من أكبر الكبائر، وأما كونه أساء إلى المشهود له فلأنه سلطه على ما لا يستحق وأكله الباطل، وأما إساءته إلى المشهود عليه فظاهرة؛ فإنه ظلمه واعتدى عليه، ولهذا كانت شهادة الزور من أكبر الكبائر والعياذ بالله“.([6]).

لذلك: عليك أخي المهاجر أن تقلع عن هذا الأمر، وأن تنهى من تعرف عن مثل هذه الجريمة، لما فيها من ضياع للحقوق، وأكل أموال للناس بالباطل، واعتداء على أعراض الناس وأنفسهم وأهليهم .

كن من أهل هذه الآية: (….فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِين بِهِ…)([7]).

[1] – نُشر هذا المقال بتاريخ 21/11/2013م

[2] – سورة البقرة : من الآية 282.

[3] – سورة يوسف: من الآية 81.

[4]صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (3/172) ح(2654) .

[5] – البسام/تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ص(705).

[6] – ابن عثيمين/شرح رياض الصالحين(3/207).

[7] – سورة الحج: من الآيتين 30-31 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق