المقالاتحقوق ضُيِّعت

حقي أن أعبر عن رأيي

حقي أن أعبر عن رأيي

سياسة تكميم الأفواه

مما يُعاب على العالم العربي والإسلامي أنهم ينادون ويطالبون بحرية التعبير، وحرية الحديث، وإنشاء ديوان للمظالم، ولكن ذلك كله ليس له تطبيق على أرض الواقع، بل إن ما هو معمول به هو عكس ذلك تمامًا، فالقانون الموجود عندنا هو (إذا اعترضت انطردت)، و(بلاش فلسفة) و(خليك في حالك) و(هو انت حد شكالك)… وغيرها من الألفاظ والمصطلحات العجيبة والغريبة التي لا علاقة لها بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد.

وإذا أراد أحدهم أن يكون مؤدبًا في الحديث ولا يريد أن (يدب الكلام دب)، قال لك: يا شيخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)([1]).

وقد أعجبني ما كتبه بعضهم في هذا المقام عن المانع من قول كلمة الحق وموقف الناس من قائلها فقال : “إنه الخوف، الخوف ممّ؟ الأسباب عديدة:

الخوف على لقمة العيش.

الخوف على ترقية موعود بها أو ينتظر حدوثها.

الخوف على الحياة.

الخوف على الحرمان من الحصول على علاوة مادية.

وبذلك أصبح النفاق هو الذي يسود أرجاء المجتمع الآن. لا تجد من يصدع بكلمة الحق، فغرق المجتمع في مستنقع من الكذب والوهم.

وليتك تسكت فقط عن قول الحق، بل إنك تزين الباطل في عيون من يفعله.

وهكذا يصبح المرتشي مؤديًا لعمله بإخلاص.

ويصبح السارق بطلًا.

إلى غير ذلك من النماذج المشوهة التي أصبحت تملأ حياتنا، لتشكل هياكل الطموحات التي يتطلع الناس للوصول إليها.

فحينما يهم المرء بقول كلمة الحق تتصاعد إليه عدة جمل: (وأنا مالي؟) (هوه أنا مصلح الكون؟) (اسكت دي الحيطان لها ودان) (خليني ماشي جنب الحيط) وغيرها من مثبطات عمل الخير.

فهل يا تُرى أصبح الحديث عما يعانيه المواطن من هموم  ليس من كلام الخير، وهو كلام يجب أن يصمت الإنسان عند ذكره؟.

هل يا تُرى أصبح الحديث عن أزمة الكهرباء التي يعاني منها المواطن ليل نهار، جراء تقصير دول الجوار في ذلك جريمة يُعاقب المتحدث عنها؟.

هل يا تُرى الحديث عن أزمة غلاء الأراضي بشكل فاحش كلام لا علاقة للخطباء والوعاظ به ويجب أن تسكت الأفواه المنددة بذلك؟.

هل يا تُرى أصبح الحديث عن أزمة الإيجار وغلاء الإيجار الشهري واستغلال أصحاب البيوت للمستأجر منكر يجب الكف عنه؟.

هل يا تُرى أصبح الحديث عن استغلال السماسرة للمواطن إذا أراد شراء سيارة، أو منزل، أو قطعة أرض مما يُقال فيه:(اترك الناس تسترزق)؟.

هل يا تُرى أصبح الحديث عن الأزمة الأخلاقية التي تغلغلت في بلادنا وبين أبنائنا وبناتنا توجب الشكاية على الخطيب من قبل أصحاب لنفوس المريضة؟ للجهات المختصة لمنع الخطيب من اعتلاء المنبر، بعد أن سمع مديح الناس وإعجابهم بالخطبة، حتى عبر أحدهم بقوله: (والله مللنا الحديث في السياسة من فترة ما سمعت خطبة دينية)، وآخر يقول: (من سنتين ما حد تكلم عن أخلاق الناس وعلاج لمشاكلهم)؟.

عجيبون هم هؤلاء المرضى النفسيين الذين يظنون أن الكلام دومًا موجه إليهم، وأن الخطيب لا يقصد في خطبته سواهم، وأنه يريد أن يسرق الأضواء أو يفجر الأحداث.

والأكثر غرابة أن تجد أناس يستمعون لهم، بل وينفذون رغباتهم فيمنعون الخطيب من اعتلاء المنبر دون التحقق من صدق الشكوى، وكأن المشتكي كلامه قرآن منزل وصدق الله عز وجل حيث قال: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾([2]).

أليس من الصفات التي جعلها الله في عباده الذين يحبهم ويحبونه هو كلمة الحق حيث قال مولانا عز وجل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾([3])؟.

 أليس من الجهاد المشروع والذي يؤجر عليه المرء هو قول كلمة الحق كما في الحديث عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ r وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟. قَالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)([4]).

فالله أسأل لي لكم العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، ولنعلم أن هذه السياسة هي سياسة مستحدثة لم تكن في المسلمين الأوائل، ولم يكن وقتها المسئول يُحاسب من يقول كلمة الحق يذكر لنا ذلك المؤرخ  أورخان محمد علي  في كتابه روائع من التاريخ العثماني، قصة السلطان الذي رفضت شهادته فيقول: نحن الآن في مدينة (بورصة) في عهد السلطان العثماني (بايزيد), الملقب بـ:

(الصاعقة)، (الفاتح الكبير)، فاتح بلاد (البلغار) و(البوسنة) و(سلانيك) و(ألبانيا).

السلطان الذي سجل انتصاراً ساحقاً على الجيوش الصليبية، التي دعا إلى حشدها البابا (بونيغا جيوش الرابع)، لطرد المسلمين من أوروبا، والتي اشتركت فيها خمس عشرة دولة أوروبية كانت (انجلترا) و(فرنسا) و(المجر) من بينها، وذلك في المعركة التاريخية المشهورة، والدامية معركة (نيغبولي) سنة 1396م.

هذا السلطان الفاتح اقتضى حضوره للإدلاء بشهادة في أمر من الأمور أمام القاضي والعالم المعروف: (شمس الدين فناري) .

دخل السلطان المحكمة ووقف أمام القاضي، و قد عقد يديه أمامه كأي شاهد اعتيادي.

رفع القاضي بصره إلى السلطان، وأخذ يتطلع إليه بنظرات محتدة، قبل أن يقول له: (إن شهادتك لا يمكن قبولها، ذلك لأنك لا تؤدي صلواتك جماعة، والشخص الذي لا يؤدي صلاته جماعة، دون عذر شرعي يمكن أن يكذب في شهادته.(

نزلت كلمات القاضي نزول الصاعقة على رؤوس الحاضرين في المحكمة، كان هذا اتهاماً كبيراً، بل إهانة كبيرة للسلطان (بايزيد)، تسمر الحاضرون في أماكنهم، وقد أمسكوا بأنفاسهم ينتظرون أن يطير رأس القاضي بإشارة واحدة من السلطان.

لكن…

السلطان لم يقل شيئاً، بل استدار وخرج من المحكمة بكل هدوء .

أصدر السلطان في اليوم نفسه أمرًا ببناء جامع ملاصق لقصره، وعندما تم تشييد الجامع، بدأ السلطان يؤدي صلواته في جماعة”([5]).

[1]صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (8/100) ح(6475).

[2] – سورة التوبة: الآية 47.

[3] – سورة المائدة: الآية 54.

[4]صحيح. أخرجه النسائي في سننه (7/161) ح(4209)، وصححه الألباني.

[5] – أورخان/روائع من التاريخ العثماني ص(25).

[1] – نُشِرَ هَذَا المَقَالُ بِتَارِيخِ: 24/01/2013م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق