الميراث والوصيةعام

أهمية علم المواريث

أهمية علم المواريث

لقد اهتمت الشريعة الإسلامية بالميراث أيّما اهتمام، لم لا وقد أولاه القرآن الكريم العناية الفائقة وهو الذي فصّل غالب أحكامه وبيّن فرائضه على خلاف كثير من الأمور التشريعية الأخرى كالصلاة والزكاة – على الرغم من أهميتهما – فقد ذكرتا على الإجمال . وتكمن هذه الأهمية في أن المتنازعين في هذه المسألة هم أفراد الأسرة الواحدة ، واللبنة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي . وقد جاءت هذه الأحكام التشريعية العادلة في سورة النساء فقال جل جلاله  : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا* وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾    ([1]) .

وقوله جل جلاله : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾      ([2]).

ولقد حث النبي- صلى الله عليه وسلم-  على تعلم هذا العلم في أحاديث منها:– عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-  : ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ وَهُوَ يُنْسَى وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي )    ([3]).

وسبب ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم-  أنه نصف العلم ؛ أن الأحكام الأخرى متعلقة بحال حياة الإنسان أما الميراث متعلق بحال وفاته.

– عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-  قَالَ : ( الْعِلْمُ ثَلاَثَةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ )     ([4]) .

-عن أبي سعيد  رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-  قال 🙁 تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الرَّجُلَانِ فِي الْفَرِيضَةِ لَا يَجِدَانِ مَنْ يُخْبِرُهُمَا بِهَا )    ([5]).

وكما حث الشرع الإسلامي الحنيف على ذلك حذّر أيضًا وتوعد من يخالف ذلك فقال جل جلاله في كتابه : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾     ([6]) .

قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره : أي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قُربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها ؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أي: فيها ، فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة ، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ أي، لكونه غيَّر ما حكم الله به وضادَّ الله في حكمه.

وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به ، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.    ([7])

قال السعدي– رحمه الله – في تفسيره : أي : تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها وعدم مجاوزتها ، ولا القصور عنها ، وفي ذلك دليل على أن الوصية للوارث منسوخة بتقديره تعالى أنصباء الوارثين . ثم قوله تعالى : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
فالوصية للوارث بزيادة على حقه يدخل في هذا التعدي،مع قوله – صلى الله عليه وسلم-  : (لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) ثم ذكر طاعة الله ورسوله ومعصيتهما عمومًا ليدخل في العموم لزوم حدوده في الفرائض أو ترك ذلك فقال : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها واجتناب نهيهما الذي أعظمُه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ فمن أدى الأوامر واجتنب النواهي فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار.

﴿ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ الذي حصل به النجاة من سخطه وعذابه ، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون.    ([8]) .

وكذلك حذّر النبي- صلى الله عليه وسلم-  من الظلم والجور في الوصية عند الموت وجعل ذلك دليلًا على خاتمة السوء لحديث أَبِي هُرَيْرَةَt قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-  🙁إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإِذَا أَوْصَى حَافَ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَالَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾)    ([9]).

ويؤكد ذلك حديث شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- قَالَ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِى الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ).

وَقَالَ ثُمَّ قَرَأَ عَلَىَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ هَا هُنَا﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ﴾ٍ حَتَّى بَلَغَ ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾   ([10]).

[1] – سورة النساء :الآيتين 11-12

[2] – سورة النساء :الآية 176.

[3] -أخرجه ابن ماجه في سننه وضعفه الألباني.

[4] – أخرجه أبو داود في سننه وضعفه الألباني.

[5] -أخرجه الدارقطني في سننه.

[6] – سورة النساء :الآيتين 13-14.

[7] -ابن كثير/تفسير ابن كثير2/232.

[8] -عبد الرحمن السعدي/تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/170.

[9] -أخرجه ابن ماجه في سننه وضعفه الألباني.

[10] -أخرجه أبو داود في سننه وضعفه الألباني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق